منتديات الأسهم السعودية  

الرئيسية clear المنتديات clear المتابعة اليومية clear القسم الفضي clear القران الكريم clear اتصل بنا
clear
clear
 
clear
معلومات الدخول
 

topbody
روابط تهمك قائمة البنوك التسجيل اجعل كافة الأقسام مقروءة


العودة   منتديات الأسهم السعودية > أسهم بلاميعاد الإقتصادي > ملتقى بلاميعاد العام

ملتقى بلاميعاد العام للترحيب بالاعضاء الجدد والاهداءات - والمواضيع العامة

موضوع مغلق
 
LinkBack أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
  #1  
قديم 09-02-2008, 06:37 AM
Banned
منتديات الأسهم السعودية                    
تاريخ التسجيل: Apr 2006
المشاركات: 3,314
الصورة الرمزية إحساسـ..العالمـ
احضرت لكم "موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة "= 5 =


مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
قال الله تعالى:﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾(يونس:24)
لما ذكر سبحانه وتعالى ما تقدم من تعلقَّ الناس بالحياة الدنيا ومتاعِها الزائل، وركوبهم في سبيل ذلك المتاع مراكب البغي، بيَّن لهم أن هذا البغي أمر باطل، يجب على العاقل أن يحذر منه، فقال سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (يونس:23).
مشيرًا بذلك إلى أن بغي على أنفسهم إنما هو منفعة الحياة الدنيا، لا بقاء له. بمعنى: أنه لا يتهيأ لهم بَغيُ بعضهم على بعض إلا أيامًا قليلة؛ وهي مدة حياتهم مع قصرها وسرعة انقضائها.

ثم عقََّبسبحانه وتعالى على ذلك بضرب هذا المثل، الذي يدعو فيه كل لبيب عاقل إلى الزهد في الحياة الدنيا الفانية، ومتاعها الزائل، ويحذرهم من الاغترار بزينتها، وبهجتها؛ لأن مصير ذلك كله إلى زوال، وفناء، فقال جل شأنه:
﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ.. ﴾
فكان ذلك بمنزلة البيان لقوله تعالى في الآية السابقة:﴿مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، المؤذن بأن تمتعهم بالدنيا ما هو إلا لمدة قصيرة.
وهو تمثيل بين وجودين: الأول ذهني معقول؛ وهو قوله تعالى:﴿ مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾. والثاني خارجي محسوس؛ وهو قوله تعالى:﴿كمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ.. ﴾؛ وهو صورة مركَّبة من الماء المنزل من السماء، ونبات الأرض المختلط بالماء، وما يمر به من أطوار. والكاف بينهما أداة التشبيه، والجامع: الزينة والبهجة، ثم الهلاك والزوال.
وقوله تعالى:﴿إِنَّمَا ﴾ أداة قصْر جيء بها لتأكيد المقصود من هذا التشبيه، وهو سرعة الهلاك والزوال، ولتنزيل السامعين منزلة من يحسب دوام بهجة الحياة الدنيا وزينتها؛ لأن حالهم في الانكباب على نعيم الدنيا؛ كحال من يحسب دوامه، وينكر أن يكون له انقضاء سريع ومفاجىء. فالقصر- هنا- قصر قلب؛ لأنه مبْنيٌّ على تنزيل المخاطبين منزلة من يعتقد عكس ذلك.
والمعنى: أن مثل الحياة الدنيا، في زينتها وبهجتها، وما يتعقبها من الزوال والفناء، يُشْبِه نبات الأرض المختلط بماء السماء، ممَّا يأكل الناس والأنعام؛ حتى إذا استكملت به الأرض زينتها، وظهر حسنُها وجمالها، فبدت كأنها العروس ليلة زفافها، بما تزينت به من أنواع النبات، وأشكاله المختلفة وألوانه الزاهية، واطمأن إليها أهلها، وظنوا أنهم قادرون على جنْيِ ثمارها، وحصْد زروعها بعد أن سلمت من الآفات، نزل به قضاء الله بغتة، فجعله حصيدًا؛ كأنْ لم يَغنَ بالأمس.. كذلك مثل الحياة الدنيا، والواثق المغتر بها سواء !
وهكذا صوَّر الله تعالى الحياة الدنيا، في تقضِّيها وذهاب نعيمها بعد إقبالها وبهجتها، بصورة نبات الأرض، في هلاكه وبواره بعد اخضراره وزهائه؛ فبيَّن بذلك لكل باغ مفسد في الأرض مغتر بالدنيا متشبث بها، كيف ينتهي شريط الحياة كلها بما فيها من زينة ومتاع، بهذه الصورة المتحركة المأخوذة من مشاهدات البشرية المألوفة؛ ليلقي في النفس ظل الفناء والزوال.
فالمشبه هنا، وهو مثل الحياة الدنيا في زينتها وبهجتها، ثم زوالها، وإن كان يتكرر، إلا أن إحساسنا به ليس بنفس درجة الإحساس بصورة النبات الزاهي، الذي يصيبه الهلاك؛ لأن هذا يقع كثيرًا تحت السمع والبصر، بخلاف الأول.. ففي كل يوم نرى نباتًا يحياً، ونباتًا يموت، فنرى بذلك الحياة والموت يمثلان أمامنا في كل زمان ومكان. ولهذا كثُرَت هذه الصور في القرآن الكريم. والله سبحانه أراد بذلك أن يلفت في كل حال إلى المصير المحتوم، وأراد أيضًا أن يلفت إلى ضرورة التفكير فيما يحيط بالمسلم، ويقع عليه بصره من الأشياء، وضرورة أخذ العظة والعبرة من ذلك.
ذلكهو مثل الحياة الدنيا، التي لا يملك الناس إلا متاعها, حين يرضون بها, ويقفونعندها، ويستغرقون فيها، ويضيِّعون الآخرة، التي هي أكرم وأبقى؛ لينالوا منهابعضالمتاع. وهو من أبلغ الأمثال، التي تقوم على التشبيه والقياس.
وننظر قوله تعالى:﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ ﴾، فنجد فيه لمحة من لمحات الإعجاز البياني.. نجدها في هذا التخالف بين المُمَثَّل، والمُمَثَّل به؛ حيث كان الظاهر أن يقال: إنما مثل الحياة الدنيا؛ كمثل ماء.. وبذلك تحصل المطابقة بين وجهيْ الصورة.
ولكن هذا يخلُّ بمعنى الكلام؛ حيث يقضي أن تكون المماثلة، بين{ مثل الحياة الدنيا }، { ومثل النبات المختلط بنبات الأرض }. وهذا يوجب أن يكون التمثيل بين وجودين علميين ذهنيين. وقد سبق أن ذكرنا أن التمثيل- هنا- هو بين وجودين: الأول: علمي ذهني. والثاني: علمي خارجي. وإذا كان كذلك، فلا يجوز ذكر لفظ { المثل }، أو تقديره عقب كاف التشبيه.
ويتضح لك ذلك، إذا علمت أن المراد هنا: تشبيه مثل الحياة الدنيا بنبات الأرض في حقيقته، مع ما يصحب هذه الحقيقة من أحوال، من اختلاط بالماء، ثم نماء واخضرار وزهوٍّ، ثم ذبول وهلاك.. ولهذا لم يؤتَ بلفظ المَثل، عقِب كاف التشبيه.
وكان حق كاف التشبيه أن تدخل على النبات، فيقال:﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.. كَنَبَاتِ الأرْضِ اخْتلَطَ بِمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ ﴾.
لأن المشبه به- في الحقيقة- هو النبات، لا الماء. والأصل في أداة التشبيه أن يليها المشبه به؛ ولكن خولِف هذا النظم، لفائدة جليلة، وسر بديع؛ وهو تقديم ما هو أهم. والأهم- هنا- هو الماء، بدليل أن الماء من أهم العناصر، التي تدخل في تكوين النبات؛ بل النبات لا يكون نباتًا إلا بوجود الماء فيه؛ ولهذا قدم- هنا- على النبات عناية بذكره واعتمادًا على أن الأفهام الصحيحة تستخرج ما بين المشبه، والمشبه به من المطابقة برد الكلام إلى أصله على أيسر وجه وأتمه.. فتأمل ذلك!
مثل الحياة الدنيا في القرآن الكريم
كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ
َاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ






أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ


وفي قوله تعالى:﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ ﴾ إعجاز آخر من إعجاز القرآن، وسرٌّ بديع من أسراره. فالنظم القرآني لهذه العبارة الموجزة، جعل اختلاط نبات الأرض بماء السماء، ولم يجعل اختلاط الماء بالنبات. لم يقل سبحانه:{ فاختلط بنبات الأرض }، على ما يقتضيه مفهوم النظر الإنساني لهذه الظاهرة؛ لأن الماء هو الذي يختلط بنبات الأرض، ويسري في كيانه، فيبعث فيه الحياة، ويخرجه من عالم الموات.. هكذا نرى نحن البشر، وهكذا نقدر؛ ولكن عين الله المقدِّرة ترى ما لا نرى، وتعلم ما لا نعلم.
وقبل أن نكشف عن سِرِّ النظم في هذه العبارة الموجزة، لا بدَّ أن نعلم أن المراد بالنبات- هنا- هو: البذر، أو الحب، لا النبات حين يكون نباتًا؛ فإنه في تلك الحال لا يكون مجرَّد نباتٍ؛ بل هو الماء، والنبات معًا، وأن لقاءً قد تمَّ بين الماء، وبذرة النبات؛ حتى أصبح نباتًا. وهذه البذرة ليست شيئًا ميتًا- كما يبدو لنا- وإنما هي كائن حيٌّ، يحتفظ في كيانه بكل عناصر الحياة، التي تنتظر مَنْ يثيرها، ويدفع بها إلى الظهور؛ وذلك لا يكون إلا بأمرين:
أولهما: غرس الحبة في الأرض. والثاني: وصول الماء إليها، وتحول تراب الأرض إلى طين. هنا تبدأ الحياة الكامنة في الحبة، فتتحرك، وتأخذ إلى الماء المختلط بالتراب طريقها،فتجذبه إليها، وتأخذ منه ما يروِّي ظمأها إلى الحياة، وإلى الإعلان عن وجودها، وإظهار آيات الخالق، التي ائتمنها عليها.
فالحبة- إذًا- هي الطالبة للحياة، والمهيأة لها، والمتشوقة إليها، وما الماء والتراب والطين إلا عناصرٌ مساعدة.. ومن هنا جاء النظم القرآني لهذه العبارة مسنِدًا الاختلاط بالماء إلى النبات. ولو جاء على عكس ذلك، لكان خطأً علميًّا، يناقض ما كشف عنه العلم اليوم.
ومن هنا ندرك سر وقوف نافع في قراءته على قوله تعالى:﴿ فَاخْتَلَطَ ﴾. ثم ابتداؤه بقوله تعالى:﴿ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ ﴾. أي: بالماء نبات الأرض. وهذا يؤكد أن الماء المنزل من السماء يختلط بتراب الأرض، ويذيب ما فيه من عناصر غذائية بعد أن يحوله إلى طين، ثم يختلط النبات- أي: البذر- بالماء من خلال اختلاطه بالطين، الذي يمده بالماء والغذاء.. ومن هنا يأخذ البذر طريقه في النمو، ويتحول إلى نبات، يكون الماء أحد عنصريه، فيخضر بعد ذلك، ويزهو، ويحسن. وقد أشار الله تعالى إلى ذلك كله بقوله:
﴿ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا*ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا*فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا*وَعِنَبًا وَقَضْبًا*وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا *وَحَدَائِقَ غُلْبًا*وَفَاكِهَةً وَأَبًّا*مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴾(عبس:25- 32).
ثم ماذا بعد ذلك؟ يأتيه أمر الله تعالى بالهلاك، فيجعله حصيدًا كأَن لم يَغْنَ بالأمس.
هكذا تبدأ رحلة حياة النبات، وهكذا تنتهي.. كذلك متاع الحياة الدنيا، مآله إلى الزوال، والإنسان مآله إلى الموت، و﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ﴾ (القصص:88)، سبحانه وتعالى!
وقوله تعالى:﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ ﴾ جُعِلت فيه الأرض آخذة زخرفها، على التمثيل بالعروس، إذا أخذت الثياب الفاخرة من كل لون، فاكتستها، وتزينت بغيرها من ألوان الزيَن.
وأصل﴿ازَّيَّنَتْ ﴾: تزيَّنت، أدغمت التاء في الزاي، وجيء بألف الوصل؛ لأن الحرف المدغم مقام حرفين: الأول منهما ساكن، والساكن لا يبتدأ به. وقرأ ابن مسعود، وأبي بن كعب رضي الله عنهما:﴿تَزَيَّنَتْ ﴾، على الأصل.
وفي قوله تعالى:﴿ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا ﴾إشارة إلى تمكُّن أصحابها من جني ثمارها، وتناول قطوفها؛ إذ أصبحت ناضجة الثمار، دانية القطوف، آمنة من تعرضـها للآفات، التي تفسد الزهر، وتغتال الثمر. فإذا اجتاحتها آفة- وهي على تلك الحال من الجمال والنضارة- كان ذلك أوجع، وأفجع لأهلها.
وقوله تعالى:﴿ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا ﴾ يراد به: الإبهام. والمعنى: إذا أخذت الأرض زخرفها، وأخذ أهلها الأمن، أتاها أمرنا- ليلاً أو نهارًا- وهم لا يعلمون. أي: أتاها أمرنا فجأة. فهذا إبهام؛ لأن الشك مُحَال على الله تعالى. وفي ذلك إشارة إلى أنه، لا فرق في إتيان العذاب بين زمن غفلتهم، وزمن يقظتهم؛ إذ لا يمنع منه مانع، ولا يدفع عنه دافع.. روي عن قتادة أنه قال: إن المتشبِّث بالدنيا يأتيه أمرُ الله وعذابُه أغفَلَ ما يكون .
وقوله تعالى:﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا ﴾ المراد به: فجعلنا نباتها. أو زرعها تشبيهًا بما حُصِد من الزرع في قطعه واستئصاله؛ لأن الحصيد في الأصل هو ما حُصِد من الزروع بعد نضجها. ولم يؤنث؛ لأنه على وزن ( فعيل )، بمعنى مفعول ). أي: محصودة، في غير إبان حصادها، على سبيل الإفساد.
وقوله تعالى:﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ﴾، قراءة العامة: تَغْنَ، بالتاء، وقرأ قتادة: يَغْنَ، بالياء، ذهب به إلى الزخرف. يعني: فكما يهلك هذا الزرع هكذا.. كذلك زينة الحياة الدنيا، ومتاعها.
والأمس: مَثلٌ في الوقت القريب؛ كأنه قيل: لم تغن آنفًا. أي: لم تلبَث على حال من الاستقرار والثبات. وهو من قولهم: غَنِيَ في مكان كذا: إذا طال مَقامُه فيه، مستغنيًا به عن غيره.
والمغاني جمع مَغْنَى، وهي المنازل، التي يَغنَى أهلها بالإقامة فيها، ويستغنون بها عن غيرها. ولإفادة هذا المعنى، جيء هنا بالفعل ﴿تَغْنَ ﴾ منفيًا بـ﴿ لَمْ ﴾؛ كما جيء به في قوله تعالى:﴿الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا ﴾(الأعراف:92)،إخبارًا عن المهلكين من كفار مدين وثمود.
ومن الملاحظ أن هذا الفعل﴿ يَغْنَى ﴾ المنفي بـ﴿ لَمْ ﴾، لم يأت في البيان القرآني إلا في سياق ديار مدين، وثمود، ومثل الحياة الدنيا في أربع آيات؛ لأن سياقها يقتضيه هو دون غيره؛ فكأن القرآن لا يرى أيَّ مَقام في الدنيا، يمكن أن يُغني، أو يُسْتغنَى به عن الآخرة.
وإنما غرَّ هؤلاء القوم الكفرة مَقامُهم في الحياة الدنيا، فظنوا واهمين أنه يغنيهم عن الآخرة، فأخذتهم الصيحة؛ والرجفة، فأصبحوا في ديارهم جاثمين ﴿ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا ﴾؛ كما غرَّ الأرضَ ما اتخذته من زخرف النبات، وزينته، وظن أهلها أنهم متمكنون منها، وقادرون على جني ثمارها، أتاها أمر الله تعالى بغتة، فجعلها صعيدًا﴿ كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ﴾.
وفي هذه المواضع لا يمكن أن يؤدِّي أيَّ فعل معنى{ غنِيَ }، بما يفيد من وهم الغنى، والاستغناء فيما يظنه الإنسان{ مَغْنًى }؛ إذ ليس من شأن الدنيا الفانية أن يكون فيها{ مَغْنًى }، يغني الإنسان بالاستقرار فيه، إلا غرورًا ووهمًا.
وفي إسناد الاستقرار المفهوم من قوله تعالى:﴿ كَأَنْ لَمْ تَغْنَ ﴾ إلى الأرض، مع أنه لأهلها- كما يشير إليه قوله تعالى في آية الأعراف:﴿ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا ﴾-إشارة إلى أنها، بما لبسها من حياة، وما نبض في عروقها وشرايينها من دماء هذه الحياة، وما تزينت به من حُللٍ وحِلًى، قد أصبحت كائنًا حيًّا، مستغنيًّا بما اجتمع له من هذا المتاع والزخرف.
وقد جعل الله تعالى إهلاك المهلكين حصادًا عقوبة لهم؛ لأنهم ظلموا أنفسهم، فقال سبحانه:
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ(هود:100).
أي: بعضها باق، وبعضها عافي الأثر؛ كالزرع بعضه قائمٌ على ساقه، وبعضه حصيدٌ.
وجاء قوله تعالى:﴿ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ تذييلاً جامعًا لما قبله. أي: مثل هذا التفصيل، الذي فصلنا به هذا المَثل، نفصل الآيات الدالة على عموم العلم والقدرة وإتقان الصنع. فهذه آية من الآيات المبينة، وهي واحدة من عموم هذه الآيات.
واللام في قوله:﴿ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾للتعليل. أي: نفصل الآيات لأجلهم، لا لأجل غيرهم. وإنما خصهم بالذكر؛ لأنهم أهل التمييز بين الأمور، والفحص عن حقائق ما يعرض من الشبه في الصدور. والتفكُّر هو التأمل والنظر، وهو مشتقٌّ من الفكر، وفيه تعريض بأن الذين لم ينتفعوا بالآيات ليسوا من أهل التفكُّر، ولا كان تفصيل الآيات لأجلهم.
اللهم اجعلنا من القوم الذين يتفكرون في آياتك البينات، ويعتبرون، واجعلنا من الذين يفقهون أسرار بيانك، ويعقلون أمثالك، والحمد لله رب العالمين!
بقلم الأستاذ محمد إسماعيل عتوك
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
  #2  
قديم 09-02-2008, 06:40 AM
Banned
منتديات الأسهم السعودية                    
تاريخ التسجيل: Apr 2006
المشاركات: 3,314
الصورة الرمزية إحساسـ..العالمـ
مثل الحياة الدنيا ج2





﴿
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا(الكهف:45).

هذا مثل آخر للحياة الدنيا ضربه الله تعالى لعباده، شبه فيه مثلها، في نضارته وبهائه، وجماله وحلاوته، بنبات الأرض، يكون أخضر وارفًا زاهيًا نضرًا، ثم بعد ذلك، يصبح هشيمًا جافًا، تحمله الرياح، لخفته ولطافته، وتفرقه في كل جهة من جهات هبوبها.. كذلك الحياة الدنيا، كنبات هذه الأرض.. وهكذا الأمور بعد زوالها؛ كأنها لم تكن!
ومناسبة هذا المثل لما قبله أن الله تعالى، لما ضرب في الآيات السابقة لهذه الآية الكريمة مثل الكافر والمؤمن، وبين فيه حالهما، وما آل إليه ما افتخر به الكافر من الهلاك، أتبعه سبحانه وتعالى بضرب هذا المثل.
فقوله تعالى:﴿مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مشبه، وهو معنى معقول موجود في الذهن، وقوله تعالى:﴿مَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ مُشبَّه به، وهو معنى محسوس موجود خارج الذهن، وقد اجتمع المعنيان في الزينة والبهجة، ثم الهلاك والزوال.
هذه هي الحياة الدنيا، التي اغترَّ بها المغترون، وتهالك عليها المتهالكون. وهذا هو مَثَلها. ومثلها- على ما تقدم في المثل السابق- هو متاعها المماثل لها في تمام أحوالها وصفاتها. ولإفادة هذا المعنى جيء- هنا- بلفظ المثل في طرف المشبه، دون المشبه به. وقيل: إن هذا المثل مختصر من المثل السابق؛ وهو قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾( يونس: 24 )(1)

والغرض منهما: تنبيهُ العباد إلى أن كل ما في الحياة الدنيا من نعيم- كثُرَ، أو قلَّ- فمصيره إلى فَناء وزوال؛ كما أن نبات الأرض مآله إلى هلاك وبوار. وفي ضمن ذلك التحذيرُ من الاغترار بنعيم الدنيا، وزينتها؛ لأنه متاع ٌ فانٍ، وكلُّ فانٍ حقير، وفي ذلك يقول سبحانه وتعالى محذرًا:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾(فاطر:5).
وقد بينت في المثل السابق سر الإعجاز في تقديم الماء على النبات في قوله تعالى:
﴿كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ
إذ من حق كاف التشبيه أن تدخل على المشبه به، وهو النبات، لا الماء، كما بينت سر الإعجاز في مجيء هذه العبارة الموجزة، على هذا النظم البديع، الذي جعل نبات الأرض هو الذي يختلط بالماء، فينمو ويحسُن، ويعلوه الزهر والنور والنضرة.. وذكرت أن المراد بنبات الأرض هو حَبُّها، الذي بُذِر فيها قبل أن يكون نباتًا، وأن معنى الباء فيقوله تعالى:﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ الإلصاق والاختلاط.
وعلى الرَّغم من هذا التطابق، الذي نشاهده بين المَثلين فإن ثمَّةَ فروق ظاهرة بينهما، لا بدَّ من الإشارة إليها، والكشف عن أسرار الإعجاز فيها:
1- وأول هذه الفروق: أن ما ذكِر في المثل الأول منمراحل حياة النبات، قد طُويَ أكثره في هذا المثل، ولم يذكَر من ذلك سوى: اختلاط النبات بالماء المنزل من السماء، ثم انتهاؤه إلى أن أصبح هشيمًا، تذروه الرياح.
وسبب ذلك أن الله تعالى، لما أراد أن يزهِّد عباده في متاع الحياة الدنيا ونعيمها، ويرغبَّهم في الآخرة، أخبرهم أن بغيهم على أنفسهم باطل، لا بقاء له، وأن مرجعهم في النهاية إليه سبحانه، فينبئهم بما كانوا يعملون في هذه الحياة الدنيا الفانية؛ وذلك قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (يونس:23)
وفي ذلك من التحذير، والوعيد بالعذاب ما فيه! ثم أتبع سبحانه وتعالى ذلك التحذير والوعيد بضرب المثل لهم، فقال جلَّ شأنه:
﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (يونس:24)
فالمقام- في هذا المثل - مقام تبيين وتفصيل؛ ولهذا اهتمَّ سبحانه وتعالى فيه بشرح الخطوات، التي تخطوها الحياة الدنيا في طريق النهاية، فتابع مراحل نزول الماء من السماء، ولم يدع حالة من حالاته إلا نصَّ عليها.. فالماء ينزل من السماء، فيختلط به نبات الأرض، ويظهر أثر هذا الاختلاط فيما يكتسبه من حسن واخضرار وازدهار، حتى إذا استكملت به الأرض حسنها، ولبست بألوانه المتنوعة، وأشكاله المختلفة أبهى حُلَلِها، وأجمل حِليِّها، واطمأنَّ إليه أهلها؛ لسلامته من الآفات، وبلوغه مرحلة القطاف والحصاد، أتاه أمر الله تعالى بغتة، فجعله حصيدًا؛ كأن لم يَغنَ بالأمس.
ولما أراد الله تعالى أن يصور سرعة انقلاب الحياة الدنيا على أصحابها، وإدبارها عنهم بعد إقبالها عليهم، ضرب لهم المثل، الذي يصور فناء الدنيا، وسرعة تقضيها، بما يشاهدونه في حياتهم من سرعة ذبول النبات وجفافه، ثم هلاكه بعد زهائه واخضراره، فقال سبحانه:
﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا
(الكهف:45).
فكان المقام- هنا- مقام تصوير لحال الدنيا في سرعة إقبالها، وإدبارها اقتضاه سياق الآيات، وهو أشبه بحال الصاحب الكافر، الذي أخبر الله تعالى عنه بقوله:
﴿ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (الكهف:35-36)
فهذا الكافر المعجَب بما أوتي من نعيم الدنيا، المفتخِر به، يقسِم لصاحبه، إن رُدَّ إلى ربه- على سبيل الفرض والتقدير- ليَجدَنًّ في الآخرة خيرًا من جنته.. وهكذا أصابه الغرور في مقتله، فأصبح، لمَّا أحيط بثمره..
﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا(الكهف:42).
هذا الانقلاب السريع، من حال إلى حال بهذه السرعة، لا يناسبه إلا بناءُ التشبيه- في هذا المثل، الذي أعقبه- على طيِّ مراحل نمو النبات وزهائه واخضراره؛ ولهذا قال سبحانه:
﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ
فأتى بالفاء العاطفة، التي تشعِر بهلاك النبات وانتهائه إلى تلك الصفة؛ وهي كونه هشيمًا، تذروه الرياح.
2- وثاني الفروق بين المثلين: أن الله تعالى قال في هذا المثل:
﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ
فقيَّد الخبر بـ﴿ أَصْبَحَ ؛ ليدلَّ به على سرعة هلاك النبات، وتحوله من حالة جيدة، كان عليها في المساء إلى حالة سيئة، أصبح عليها القوم في الصباح،﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (الصافات: 177).
وقال تعالى هنا:﴿ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا، فعبَّر عن هلاك النبات بالهشيم؛ لأنه من الهَشْم. والهَشْمُ هو كسْرُ الشيء الرَّخْوِ وتفتيته، ويختصُّ بما هو رَطبٌ، ثم يصير يابسًا؛ كالنبات، والخبز، وغيرهما. والعرب تسمِّي كل شيء كان رطبًا، فيبس: هشيمًا. والهشيم أيضًا هو الرجل الضعيف.
وأصل الهشيم: النبت إذا جفًّ ويبس، فأذرته الريح؛ وذلك للطفه وخفته، وتلك هي حال الذرِّ؛ ولهذا قال سبحانه:﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ، فعبَّر عن هذا المعنى بـ﴿ تَذْرُوهُ، لما في ذرا، يذرو من معنى الارتفاع، والسرعة.يقال: ذرا فلان يذرو: ارتفع، ومرَّ مرًّا سريعًا، ومنه سُمِّيت الرياح بالذاريات. قال تعالى:
﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (الذاريات : 1)
وإنما سميت بذلك؛ لأنها تحمل التراب، أو الهشيم عاليًا، وتفرقه بسرعة في كل جهة؛ بحيث يستحيل إعادته كما كان.
وفي حديث علي كرَّم الله وجهه: يذرو الرواية ذَرْوَ الريحِ الهشيمَ . أي: يسرد الرواية؛ كما تنسف الريح هشيم النبت.. وقال الخليل معلِّلاً لتسمية بني آدم ذرية: إنما سُمُّوا: ذريَّة؛ لأن الله تعالى ذراها على الأرض؛ كما ذرأ الزارع البَذْرَ.
أما في المثل السابق فقال تعالى:
﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا
فقيَّد الخبر بقوله:﴿جَعَلْنَاهَا؛ لأنجعللفظ عام في الأفعال كلها؛ فهو أعمُّ منفعل، و صنع، وسائر أخواتها. ومن تصرُّفه في الاستعمال اللغوي أنه يجري مَجرىأوجد )، في تصيير الشيء على حالة، دون حالة، كما هنا، وكما في قوله تعالى:
﴿ وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (النحل:81)
وعبَّر سبحانه وتعالى عن هلاك النبات وزواله بالحصيد؛ لأنه من الحصد. والحصد هو قطع الزرع . والحصيد: فعيل من الحصاد؛ وهو قطع الزرع في إبَّانه، وقد أفاد- هنا- قطع النبات واستئصاله في غير إبَّانه على سبيل الإفساد. ومنه استعير: حصدَهم السيفُ. وقد جعل الله تعالى هلاك المهلكين من الأمم الطاغية حصادًا لهم، فقال:﴿ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ (هود:100).
3- وثالث الفروق بين المثلين أنهذا المثل ختم بقوله تعالى:
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا
فعبَّر سبحانه عن مطلق قدرته، وكمالها بأنه مقتدرٌ على كل شيء من الأشياء، التي من جملتها الإنشاء، والإفناء، وإفقار الغنيِّ المتعالِي، وإغناء الفقير المتعالَى عليه، وغير ذلك. وفي هذا ما فيه من إحلال للأمل محل الألم في نفوس الفقراء المؤمنين، فضلاً عمَّا فيه من تهديد لأولئك المتعالين المتكبرين!
أما المثل السابق فقد ختم بقوله تعالى:
﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
لأن السِّيَاق سياق تفصيل، ورسم لخطوات الحياة الدنيا، التي تخطوها في طريق النهاية؛ بحيث لا يدع مجالا للتشكُّك في صحة ما فُصِّل وصوابه، فلا يعدم من كانت له القدرة على التفكُّر والتدبُّر من الانتفاع بهذا التفصيل، فضلاً عمَّا في هذا الختام من تقريع لأولئك الذين لا يتفكرون بآيات الله تعالى، ولا يتدبرون، فينتفعون!
الأستاذ: محمد إسماعيل عتوك
الباحث
في الإعجاز اللغوي والبياني للقرآن
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
  #3  
قديم 09-02-2008, 06:45 AM
Banned
منتديات الأسهم السعودية                    
تاريخ التسجيل: Apr 2006
المشاركات: 3,314
الصورة الرمزية إحساسـ..العالمـ
مثل الحياة الدنيا ـ 3 ـ


قال الله تعالى :﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾( الحديد : 20 )
أولاً- هذا مثل ثالث ضربه الله تعالى لعباده، يكشف لهم فيه عن وجه هذه الحياة الدنيا، ويبين لهم حقيقتها المزيفة بما يجعلها مُشاهَدة لأولي البصائر ؛ وذلك بعد أن أخبر سبحانه عنها بأنها : لعب، ولهو، وزينة، وتفاخر، وتكاثر في الأموال والأولاد، فأعلم بذلك أنها أتفه من أن يتشبَّث بها الإنسان، وأن النفس البشرية لو علمت حقيقتها ومآلها ومصيرها، لأبغضتها، ولآثرت عليها الآخرة التي هي خير وأبقى ؛ فما الحياة الدنيا بالنسبة إلى الآخرة إلا عرض عاجل، وظل زائل، ومتاع فان.
ومناسبة هذا المثل لما قبله : أن الله تعالى بعد أن ذكر حال الفريقين في الآخرة : فريق المؤمنين، وفريق الكافرين، وذكر ما وقع من الفريق الثاني من الكفر والتكذيب بسبب ميلهم إلى الدنيا، وإيثارهم لها على الآخرة، بين لهم سبحانه في هذا المثل أن الدنيا التي اطمأنوا إليها، وآثروها على الآخرة هي من محقرات الأمور التي لا يركن إليها العقلاء، فضلاً عن الاطمئنان بها، تزهيدًا فيها وتنفيرًا عن العكوف عليها، وترغيبًا في الآخرة.
ثانيًا- وقوله تعالى :﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ﴾ تصوير لهذه الحياة الدنيا من بدايتها إلى نهايتها بصورة هزيلة زهيدة، تهوِّن من حقيقتها، وتقلل من شأنها، وتدعو النفوس للترفُّع عنها ، واتخاذها مطيَّة للآخرة.
وافتتاح الكلام بقوله تعالى :﴿ اعْلَمُوا ﴾ يؤذن بأن ما سيُلقَى بعده من الكلام جدير بأن يتوجه الذهن إليه، وفيه حثٌّ للمخاطبين على التفكُّر والتأمُّل والتدبُّر، وتعريض بغفلتهم عن أمر مهمٍّ. وذلك من أساليب الكلام البليغ أن تفتتح بعض الجمل المشتملة على خبر، أو طلبِ فَهْمٍ، بهذه الصيغة الطلبية، لفتًا لذهن المخاطب ؛ كما في قوله تعالى :
﴿ وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾( البقرة : 260 )
﴿ اعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾( المائدة : 98 )
﴿ وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾( الأنفال : 28 )
﴿ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ﴾( المائدة : 49 )

وتأتي ﴿ أَنَّمَا ﴾ المفتوحة الهمزة بعد هذه الصيغة الطلبية، فتفيد معنى القصر كما تفيده ﴿ إِنَّمَا ﴾ المكسورة الهمزة. وقد أفادت هنا قصر حقيقة الحياة الدنيا على ما تلاها من صفات أجريت عليها ؛ وهي كونها :﴿ لَعِبٌ ﴾، و﴿ َلَهْوٌ ﴾، و﴿ َزِينَةٌ ﴾، و﴿ تَفَاخُرٌ ﴾، و﴿ تَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ﴾.
أما اللعب فهو الإقبال على الباطل، ويعبَّر به عن كل فعل لا يقصد به مقصدًا صحيحًا. وأما اللهو فهو الإعراض عن الحق، ويعبر به عن كل ما به استمتاع. وقيل : اللعب ما يشتغل به الإنسان، ولا يكون فيه ضرورة في الحال، ولا منفعة في المآل. ثم إن استعمله الإنسان، ولم يشغله عن غيره، ولم يثْنِه عن أشغاله المهمة فهو اللعب، وإن شغله عن مهماته فهو اللهو ؛ ولهذا جاز الجمع بينهما حيث وردا في القرآن. وقيل : كل اشتغال بما لا غنى به ولا منفعة فيه، فهو لعب ولهو ؛ كذلك هي الحياة الدنيا بخلاف الاشتغال بأعمال الآخرة، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى :﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾( الأنعام : 32 ).
قال ابن عباس- رضي الله عنهما- :« هذه حياة الكافر ؛ لأنه يزجيها في غرور وباطل، وأما حياة المؤمن فتُطوَى على أعمال صالحة، فلا تكون لعبًا ولهوًا».
وأما الزينة فهي اسم لما يتزين به الإنسان من الملابس الفاخرة، وما يتخذه من المراكب البهية، والمنازل العالية، وغير ذلك ممَّا يفعله من أجل أن يكون في أعين الناس مهيبًا جميلاً. ومن هنا قيل : الزينة هي التحسين الذي هو خارج من ذات الشيء. ويقال : زانه كذا وزيَّنه، إذا أظهر حسنه.
قال تعالى :﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ﴾. ثم عقَّب على ذلك بقوله :﴿ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ﴾( آل عمران: 14 )، مشيرًا إلى أن ذلك كله ؛ إنما هو متاع الحياة الدنيا، وأن متاعها قليل سريع الانقضاء، مهما طالت مدته، وأن نعيم الآخرة هو النعيم الذي لا يفنى، ولا ينقضي.
وأما التفاخر فهو من الفخر. والفخر هو المباهاة في الأشياء الخارجة عن الإنسان ؛ كالمال والولد والجاه. وصيغ منه التفاخر على زنة : التفاعل ؛ لأن شأن الفخر أن يقع بين اثنين ؛ كما أنبأ به تقييده بقوله تعالى :﴿ بَيْنَكُمْ ﴾. ومن صوره : التباهي، والعُجْب، وعنه ينشأ الحسد، وأغلبه يكون في طور الكهولة.
وأما التكاثر فهو من الكثرة. والكثرة، وخلافها القلة، يستعملان في الكمية المنفصلة ؛ كالأعداد. قال تعالى :﴿ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ ﴾( البقرة : 249 ). وجيء به على زنة : التفاعل للدلالة على المبالغة في الفعل، بحيث ينزَّل منزلة من يغالب غيره، ويباريه في كثرة المال والولد، وغير ذلك. وقوله تعالى :﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ﴾( التكاثر : 1 ) المراد به : الأموال والأولاد، وإليه الإشارة بقوله تعالى :﴿ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً ﴾( الكهف :34 ). ومن بَدَهيِّة العقل أن كل ما كان سريع الانقضاء يقبُح بالعاقل أن يفتخر به، أو يفرح بسببه. وكيف لعاقل أن يفتخر بكثرة المال والولد، والله تعالى يقول، وقوله الحق :﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً ﴾( الكهف : 46 ).
هذه هي حقيقة الحياة الدنيا التي تكمُن وراء كل ما يبدو فيها من جِدٍّ حافل، واهتمام شاغل :﴿ لَعِبٌ ﴾، و﴿ َلَهْوٌ ﴾، و﴿ َزِينَةٌ ﴾، و﴿ تَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ ﴾، و﴿ تَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ﴾. والحياة الدنيا- كما يقول سيد قطب- حين تقاس بمقاييسها هي، وتوزن بموازينها، تبدو في العين وفي الحِسِّ أمرًا عظيمًا هائلاً، ولكنها حين تقاس بمقاييس الوجود، وتوزَن بميزان الآخرة، تبدو شيئًا زهيدًا تافهًا، لا قيمة له.. وهي هنا في هذا التصوير تبدو لعبة أطفال بالقياس إلى ما في الآخرة



من جد تنتهي إليه مصائر أهلها بعد لعبة الحياة.
ثالثًا- ولتصوير هذه الحقيقة في صورة محسوسة تقربها إلى العقول والأذهان ضرب الله تعالى لها هذا المثل العجيب على طريقة القرآن المبدعة، شبهها فيه سبحانه بمثل غيث أصاب أرضًا، فنبت عن ذلك الغيث نبات معجب أنيق، يعجب الكفار لنضارته، ثم يهيج، فيُرَى مُصفرًّا، ثم يتحطم، فتلعب به الريح، وتفرقه في جهات هبوبها، فيضمحل ويتلاشى :
﴿ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ﴾
فالمشبه هو حقيقة الحياة الدنيا المعجبة، والمشبَّه به هو النبات المعجب الذي نبت عن الغيث، وقد اجتمعا في شدَّة الإعجاب، ثم في التغيير بالانقلاب. وفي ذلك الاحتقار للدنيا، والتحذير من الاغترار بها، والسكون إليها.
وكان حق كاف التشبيه أن تدخل على مثل النبات، فيقال : كَمَثَلِ نَبَاتِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ.. ؛ لأنه هو المشبه به في الحقيقة. والأصل في أداة التشبيه أن يليها المشبه به، ولكن قدِّم الغيث على النبات تصويرًا لهيئة النبات من مبادئها، وإظهارًا لمواقع الحسن فيها ؛ ولهذا كان تقديمه أولى.
والمتأمل في المشبه به يرى أنه في حقيقته تصوير لحياة الإنسان بصورة حياة النبات. فكما يمر النبات في حياته بأطوار الطفولة والشباب والشيخوخة ثم ينتهي إلى حطام، فكذلك يمر الإنسان بهذه الأطوار نفسها ثم ينتهي إلى فناء ؛ ولهذا جيء بلفظ مثل عقب كاف التشبيه :﴿ كَمَثَلِ غَيْثٍ ﴾. أي : كمثل نبات غيث. ومَثلُه هو المطابق له في تمام أحواله وصفاته. والمراد به هنا : الإنسان. والدارس لأطوار الخلق التي تبدأ بمرحلة الطفولة، وتنتهي بمرحلة الشيخوخة، يوقن تمامًا أن الحياة الدنيا هي بمثابة لحظة في تاريخ الإنسان الطويل، وأنها معْبَرٌ إلى الآخرة، وأن ﴿ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾. أي : هي الحياة التي لا أبدَ لها، ولا نهاية لأبدها ؛ ولهذا لما ذكر تعالى ما يؤول إليه أمر الدنيا من الفناء، ذكر ما هو ثابت دائم من أمر الآخرة من عذاب الله الشديد، ومن مغفرته ورضوانه الذي هو سبب النعيم، فقال سبحانه :﴿ وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ﴾ ؛ كأنه قيل : والحقيقة هاهنا، لا في الحياة الدنيا.




واختلف المفسرون في تأويل ﴿ الْكُفَّارَ ﴾، فقال بعضهم : هو من : كَفَر الحَبَّ. أي : ستره في الأرض بالتراب ؛ فهم الزُّرَّاعُ. وقيل : خُصُّوا بالذكر هنا ؛ لأنهم أهل البصر بالنبات والزراعة، فلا يعجبهم إلا المُعْجَبُ حقيقة الذي لا عيب له. فإذا أعجبهم- مع علمهم به- فهو في غاية ما يستحسن.
وقال آخرون : هو من الكُفْر بالله، وهو الصحيح ؛ لأنه لو أراد الله تعالى الزُّرَّاع، لذكرهم باسمهم الذي يعرفون به ؛ كما ذكرهم في قوله :﴿ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ﴾( الفتح : 29 ). وجه تخصيصهم بالذكر أنهم أشدُّ تعظيمًا للحياة الدنيا، وإعجابًا بزينتها وحرثها، وأنهم لا يرَوْنَ سعادة إلا سعادتها، وأنها الحياة التي لا حياة بعدها، ﴿ وَقَالُواْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾( الأنعام : 29 ). أما المؤمنون فإنهم إذا رأوا مُعْجَبًا، انتقل فكرهم إلى قدرة موجده عز وجل، فأعجبوا بها ؛ ولهذا قال أبو نواس في النرجس :
عيونٌ من لُجَيْـنٍ شاخِصاتٌ ** على أَطُرَافِها ذَهَبٌ سَبيكُ
على قُضُبِِ الزَّبَرْجَدِ شاهداتٌ ** بأنَّ اللهَ ليسَ لُهُ شَريـكُ
والذين كفروا لا يتخطى فكرهم عمَّا أحسَّوا به، فيستغرقون به إعجابًا.
رابعًا- تأمل بعد ذلك قوله تعالى :﴿ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ﴾ كيف اختار سبحانه الفعل ﴿ يَهِيجُ ﴾ للتعبير عن حال النبات، بعد بلوغه مرحلة النضوج والإعجاب.. إنه يثور ؛ كما يثور الرجل من شدة الغضب، فتراه مصفر الوجه. أو كما يثور الثور الهائج، فترى الزبد يخرج من فمه، ثم يهدأ ويسكن ؛ كذلك حال النبات ﴿ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ﴾. أي : يثور، فتراه مصفرًّا ؛ وكأنه يعلن بذلك عن اقتراب أجله، ثم يكون بعد ذلك حطامًا تلعب به الريح، وتفرقه في جهات هبوبها.
والهَيَجَانُ هو الاضطراب والثوران، ومنه سميت الحرب بالهيجاء ؛ لأن فيها يضطرب المقاتلون، ويثور بعضهم على بعض. وفي حديث عليٍّ رضوان الله عليه :« لا يهيج على التقوى زرع قوم ». أراد : من عمل عملاً صالحًا، لا يفسد عمله، ولا يبطل ؛ كما يهيج الزرع، فيهلك.
والحُطَامُ هو المتكسِّرُ من النبات وغيره، وهو صيغة مبالغة من الحَطْم. أي : الكَسْر. يقال : حَطيم وحُطَام بمعنى : محْطوم، أو متحَطَّم ؛ كعجيب وعُجَاب، بمعنى : معجَب ومتعجَّب منه. ونظيره : الهشيم. والفرق بينهما : أن الهشيم يختص بما هو رطب جاف. أما الحُطَام فيختص بما هو صلب يابسٌ كالزجاج، والحطمة من أسماء النار ؛ لأنها تحطم ما يلقى فيها حطمًا. وعن بعض العرب : قد تحطَّمت الأرض يبسًا، فأنشَبُوا فيها المخالب، وهي المناجل. أي : تكسَّرت زروع الأرض، وتفتتت لفرط يبسها، فجزُّوها. وقد ثبت للعلماء أن الزرع يحتوي في سوقه وورقه على نسب كبيرة من الزجاج ؛ ولهذا نراه يتكسر حين يصفرُّ ويَيْبَس ؛ كما يتكسر الزجاج الصلب. ومن هنا نجد القرآن الكريم يستعمل لفظ الحطم للزرع اليابس المتكسر.. وكذلك استعمل القرآن الحطم



للنمل، في قول النملة محذِّرة رعيتها :﴿ يَا أَيُّهَا ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾( النمل : 18 )، فقد أثبت العلم أن جسم النملة يحتوي على نسبة كبيرة من الزجاج، وأنه مغلف بغلاف صلب جدًّا قابلٍ للتحطم ؛ كالزرع اليابس، وكالزجاج الصلب ؛ وذلك يشكل إعجازًا علميًّا من إعجاز القرآن إلى جانب إعجازه البياني الذي يسمو فوق كل بيان !
وعَطْفُ كلٍّ من جملة ﴿ يَهِيجُ ﴾، و﴿ يَكُونُ حُطَامًا ﴾ بثُمَّ لإفادة التراخي الرتبي ؛ إذ أن وصول النبات إلى درجة من الهَيَجَان، وبلوغ منتهاه، لا يتأتى إلا بعد زمن طويل من بدء زراعته، وهو أعظم دلالة على التَّهُيُّؤِ للزوال، ثم الهلاك. وهذا هو الأهم في مقام التزهيد في الحياة الدنيا الفانية، والإعجاب بها.
أما جملة ﴿ فَتراهُ مُصْفَرًّا ﴾ فظاهر عطفها بالفاء يشير إلى أن اصفرار النبات مقارن لهيجانه، ومترتب عليه. والمعنى المراد خلاف ذلك ؛ لأن هيجان النبات يعني اصفراره، وأخذه في اليبس، خلافًا لما عليه الجمهور من أن ﴿ يَهِيجُ ﴾ معناه : ييبس، أو يجفُّ. ولو كان المعنى على ما قالوا، لوجب أن يقال : ثم يهيج، فيصفَرُّ، ولكن جاء التعبير القرآني هكذا :﴿ فَتراهُ مُصْفَرًّا ﴾، فدلَّ على أن المترتب على هيجان النبات هو رؤيته مُصفرًّا، لا اصفراره.. فتأمل !
وببلوغ النبات هذه المرحلة من اليَبَس والتكسُّر ينتهي شريط الحياة كلها.. ينتهي بهذه الصورة المتحركة المأخوذة من مشاهدات البشر المألوفة.. ينتهي بمشهد الحطام..! هذه هي حقيقة الحياة الدنيا في سرعة انقلابها على المعجبين بها، وإدبارها عنهم.. إنها كمثل هذا النبات الذي يثور بعد بلوغه مرحلة النضج والإعجاب، فيُرَى مصفرًّا معلنًا عن اقتراب أجله، ثم ينتهي إلى يبَس، فيضمحل ويتلاشى ؛ وكأنه لم يكن. فأما الآخرة فلها شأن غير هذا الشأن، شأن يستحق أن يحسب حسابه، وينظر إليه، ويستعد له. فإذا انقلبت الدنيا، وكانت الآخرة، استحالت إلى عذاب شديد لمن انهمك فيها، ومغفرة من الله ورضوان لمن طلب بها الآخرة :﴿ وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ﴾. فهي لا تنتهي في لمحة كما تنتهي الحياة الدنيا التي تشبه في حقيقتها مَثَلَ ذلك النبات المعجب الذي يبلغ أجله، ثم ينتهي إلى حطام.. إنها حساب وجزاء، ودوام، يستحق الاهتمام. وفي ذلك تنفير من الانهماك في الدنيا، والعكوف عليها، وتزهيد فيها، وإشارة إلى فخامة شأن الآخرة، وعِظَم شأنها، ترغيبًا في تحصيل نعيمها المقيم، فهي الحياة التي لا تنتهي في لمحة كما تنتهي الحياة الدنيا، ولا تنتهي إلى حطام كما ينتهى ذلك النبات.




وقدم سبحانه ذكر العذاب على المغفرة والرضوان في قوله تعالى :﴿ وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ﴾ ؛ لأنه من نتائج الانهماك فيما فصَّل من حقيقة الحياة الدنيا وأحوالها.. وفي مقابلة العذاب الشديد بالمغفرة والرضوان إشارة إلى غلبة الرحمة، وأنه من باب :« لن يغلب عسر يسرين ». وفي ترك وصف العذاب بكونه من الله تعالى، مع وصف المغفرة والرضوان بأنهما من الله تعالى إشارةٌ إلى غلبتمها أيضًا، ورَمْزٌ إلى أن الخير هو المقصود بالقصد الأولى. أما تنكير العذاب، والمغفرة، والرضوان فلإفادة معنى التعظيم.
خامسًا- وقوله تعالى بعد هذا الترهيب والترغيب :﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ تقرير للمثل وتأكيد له. أي : هي متاعٌ لمن أقبل عليها، واطمأن بها، وركن إليها، ولم يجعلها ذريعة للآخرة، ومطيَّة لنعيمها. وهذا المَتاع ليس له حقيقة ذاتية ؛ لأنه يستمد قوامه من الغُرور الخادع ; كما أنه يُلهِي ويُنسِي، فينتهي بأهله إلى غرور خادع.. وهي- كما قال سيد قطب- حقيقة لا يقصد القرآن بها العزلة عن حياة الأرض ، ولا إهمال عمارتها وخلافتها التي ناطَها الله تعالى بهذا الكائن البشري، حين قال للملائكة :﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَليفَةً ﴾ بعد نفخ الروح فيه ؛ وإنما يقصد بها تصحيح المقاييس الشعورية، والقيم النفسية ، والاستعلاء على غرور المتاع الزائل، وجاذبيته المقيَّدة بالأرض.. والحياة الدنيا تكون تافهة لا قيمة لها ولا وزن حين لا يكون وراءها غاية أكرم وأبقى.. حين تعاش لذاتها مقطوعة عن منهج الله تعالى فيها. ذلك المنهج الذي يجعلها مزرعة الآخرة ؛ ويجعل إحسان الخلافة فيها هو الذي يستحق وراثة الدار الباقية. وهذا هو الذي تشير إليه الفقرة الثانية في هذه الآية الكريمة :﴿ إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ ﴾ (محمد : 36 ). فالإيمان والتقوى في الحياة الدنيا هو الذي يخرجها عن أن تكون لعبًا ولهوًا، ويطبعها بطابع الجِّد، ويرفعها عن مستوى المتاع الحيواني إلى مستوى الخلافة الراشدة، المتصلة بالملأ الأعلى. ويومئذ لن يكون ما يبذله المؤمن المتقي من عرض هذه الحياة الدنيا ضائعًا، ولا مقطوعًا ؛ فعنه ينشأ الأجر الأوفى، في الدار الأبقى !
وفي المستدرك على الصحيحين عن سعد بن طارق، عن أبيه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« نعمت الدار الدنيا لمن تزوَّد منها لآخرته، وبئست لمن صدَّته عن آخرته، وقصرت به عن رضا ربه. فإذا قال العبد : قبَّح الله الدنيا، قالت الدنيا : قبَّح الله أعصانا لربه ».
وروي عن سعيد بن جبير- رضي الله عنه- أنه قال :« الدنيا متاع الغرور إن ألهتك عن طلب الآخرة. فأما إذا دعتك إلى طلب رضوان الله تعالى وطلب الآخرة، فنعم المتاع، ونعم الوسيلة ».
سادسًا- بقي أن نشير إلى أن علماء النحو والبلاغة والتفسير مجمعون على أن التشبيه في هذا التمثيل هو تشبيه بين مثل، ومثل : الأول هو مثل الحياة الدنيا. والثاني هو مثل غيث أعجب الكفار نباته. وتقدير الكلام على قولهم : اعلموا أنما مَثَلُ الحياة الدنيا كمثل غيث أعجب الكفار نباته، بإضافة لفظ ﴿ مَثَل ﴾ في طرف المشبه، وبذلك يتطابق آخر الكلام مع أوله، ولا دليل لهم على ذلك سوى وجوده في طرف المشبه به.
ولكن ظاهر الكلام يقتضي أن يكون المشبه هو الحياة الدنيا نفسها، لا مثلها ؛ ولهذا لم يؤت بلفظ ﴿ مَثَل ﴾ في طرف المشبه، خلافًا لما جاء في المثل الأول والثاني ؛ وهما قوله تعالى :
﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ ﴾( يونس : 24 )
﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ﴾( الكهف : 45 )

فالمشبه في هذين المثلين هو:﴿ مَثَل الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾، والمشبه به هو :﴿ مَاء أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ ﴾ ؛ وهو تشبيه بين وجودين : الأول ذهني، والثاني خارجي.
وأما المشبه في هذا المثل الذي نحن بصدده فهو :﴿ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾ نفسها، لا مثلها. والمشبه به هو :﴿ مَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ﴾ ؛ وهو تشبيه بين وجودين : الأول خارجي، والثاني ذهني.
وهذا هو أحد أوجه الفرق بين هذا المثل، وبين المثلين السابقين ؛ إذ يتوقف على مراعاته صحة المعنى. ومما يبين لك هذا الفرق أن الله تعالى وصف الحياة الدنيا في آخر هذا التمثيل بأنها ﴿ مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾، على سبيل الحصر، فقال جلَّ شأنه :﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾. أي : الحياة الدنيا انتفاعٌ باطلٌ فان يخدع صاحبه، حتى يظن أنه لا دار سواه، ولا معاد وراءه ؛ ولهذا كانت الدنيا حقيرة بالنسبة إلى الدار الآخرة. وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى :﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِيْ الآخِرَةِ إِلَّا مَتَاع ﴾( الرعد : 26 ).
ولفظ المتاع في اللغة قد يطلق ويراد به الحياة الدنيا نفسها ؛ كما في الآية السابقة.. وقد يطلق ويراد به زينة الحياة الدنيا وما فيها من نعيم ؛ كما في قوله تعالى :﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ ﴾( آل عمران : 14 ).. ومن هنا ينبغي أن نفرق بين المتاع الذي يراد به الحياة الدنيا نفسها، وبين المتاع الذي يراد به زينة الحياة الدنيا ونعيمها. تأمَّل- إن شئت- قول الله تعالى :﴿ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ﴾( غافر : 38 )، فسترى أن المراد بالمتاع - هنا- هو الحياة الدنيا ذاتها ؛ ولهذا قوبلت بالدار الآخرة التي هي دار القرار.
ولما كانت الحياة الدنيا ذاتها متاعًا، وكان ما فيها من زينة ونعيم متاعًا أيضًا، عبَّر الله تعالى عن الأول بأنه ﴿ مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾، بضم الغين، وعبَّر عن الثاني بأنه ﴿ الْغَرُورُ ﴾، بفتح الغين. والفرق بينهما : أن الأول هو الباطل الذي يعجب صاحبه، وأن الثاني هو الذي يغرُّ صاحبه، وكل شيء يغُرُّ الإنسان من مال وجاه وشهوة وشيطان، حتى يعصي الله تعالى، ويترك ما أمره به سبحانه، فهو غَرورٌ، بفتح الغين.
وأصل الغَرور من : غرَّ فلانٌ فلانًا، إذا أصاب غُرَّته. أي : أصاب غفلته، ونال منه ما يريد. والمراد به : الخداع، والأخذ على غرة. ولهذا حذَّر الله تعالى من العُجْب بالدنيا ذاتها، ومن الاغترار بزينتها ونعيمها، فقال جلَّ شأنه :﴿ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾( لقمان : 33 ). أي : لا تغرنكم الدنيا. فإن كان لكم حظ فيها ينقص من دينكم، فلا تؤثروا ذلك الحظ، ولا يغرنكم بالله الغَرور. قال الفراء :« يريد به زينة الأشياء في الدنيا. وقيل : المراد به : الشيطان يغر الناس بالوعد الكاذب والتمنية ».
ولما أراد الله تعالى أن يحذر عباده من الاغترار بمتاع الدنيا الفاني، ضرب لهم المثل الأول والثاني، شبه فيهما ذلك المتاع في إقباله وإدباره بنبات الأرض في هلاكه وبواره، فقال سبحانه في المثل الأول :
﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ.. ﴾. وقال في المثل الثاني :
﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ.. ﴾
فأتى بلفظ ﴿ مَثَل ﴾ في طرف المشبه، دون المشبه به. ومَثَلُ الحياة الدنيا في إقبالها وإدبارها هو متاعُها الزائل ونعيمها المنقضي.
ولما أراد الله تعالى أن يحذر عباده من الإعجاب بالدنيا ذاتها، وأن يحقرها في عيون المعجبين بها، ضرب لهم هذا المثل الذي شبه فيه الدنيا على أنها متاع زائل يعجب أصحابه بمثل نبات غيث يعجب الكفار، ثم يهيج، فيُرَى مصفرًّا، ثم يكون حطامًا، فقال سبحانه :
﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ﴾
فأتى بلفظ ﴿ مَثَل ﴾ في طرف المشبه به، دون المشبه. ومَثَلُ النبات في مروره بطور الطفولة، ثم الشباب، ثم الشيخوخة- كما ذكرنا آنفًا- هو الإنسان الذي يمر بهذه المراحل نفسها.
وكون الدنيا ذاتها متاع الغرور يعني : أنها في حقيقتها :﴿ لَعِبٌ، وَلَهْوٌ، وَزِينَةٌ، وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ، وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ ﴾. وكونها كذلك يعني : أنها تافهة حقيرة. ولتفاهتها وحقارتها لم تشبه بالنبات ذاته ؛ وإنما شبهت بحالة من حالاته، وهي كونه معجبًا لفئة مخصوصة، هي فئة الكفار ؛ وذلك أبلغ في ذمِّها وتحقيرها وازدرائها وتصغير أمرها. وهذا ما أكده الله تعالى بقوله :﴿ وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ﴾( العنكبوت : 64 )، فأشار سبحانه وتعالى إليها بقوله :﴿ هذه الحياة الدنيا ﴾ إشارة تحقير.
وكيف لا تكون كذلك، وهي لا تزن عند الله جناح بعوضة ؛ كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة، ما سقى منها كافرًا شربة ماء ».
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :« ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليمِّ، فلينظرْ بمَ يرجع ».
وعن المستورد بن شداد، قال : كنت مع الرَّكْب الذين وقفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، على السَّخْلة الميتة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« أترون هذه هانت على أهلها، حتى ألقوها ؟ قالوا : من هوانها ألقوها يا رسول الله ! قال : فالدنيا أهون على الله من هذه على أهلها ».. إلى غير ذلك من الأحاديث التي تؤكد على ذمِّ هذه الحياة الدنيا، وتحقيرها، وهوانها على الله تعالى ؛ ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« مالي، وللدنيا ؟ إنما مثلي، ومثل الدنيا ؛ كراكبٍ قالَ في ظل شجرة في يوم صائف، ثم راح وتركها ». أي : استظل في ظل شجرة في يوم شديد الحر.
وفي المستدرك على الصحيحين، من حديث أبي بكر، قال : كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيته يدفع عن نفسه شيئًا، ولم أرَ معه أحدًا، فقلت : يا رسول الله ! ما الذي تدفع عن نفسك ؟ قال :« هذه الدنيا، مُثِّلت لي، فقلت لها : إليكِ عنِّي، ثم رجعَت، فقالَت : إن أفلتَّ منِّي، فلن ينفلت منِّي مَنْ بعدك ».. ولهذا كان عليه الصلاة والسلام يقول :« الدنيا خضرة حلوة، فاتقوها ».
ويُعلم مما تقدَّم أن الحياة الدنيا التي ذمَّها الله تعالى، وذمَّها رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ إنما هي التي تلهي عن ذكر الله تعالى، ولا تُتَّخَذُ مطيَّة للآخرة ؛ لأن الدنيا في الحقيقة جُعِلَت مبنى للآخرة، ومزرعة لها، ومنها زاد الجنة، ومنها اكتسبت النفوس الإيمان ومعرفة الله تعالى، ومحبته وذكره ؛ ابتغاءَ مرضاته. وخيرُ عيش ناله أهل الجنة في الجنة ؛ إنما كان بما زرعوه في الحياة الدنيا من أعمال البر والإحسان، فإن لم تكن كذلك، فهي مذمومة ملعونة ؛ كما جاء في الحديث الذي رواه التِّرمِذِيُّ عن أبي هريرة، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :« الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر الله، وما والاه، وعالم، أو متعلم ».
ونختم بقول الشاعر أبي الفرج الساوي :
هي الدنيا تقول بملء فيها ** حَذارِ حَذارِ من بطشي وفتكي
فلا يغرُرْكُمُ مني ابتسـام ** فقولي مضحك والفعل مبكـي

بقلم الأستاذ محمد إسماعيل عتوك
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
  #4  
قديم 09-02-2008, 09:16 AM
الـجوهره متواجد حالياً
¤®§( مشرفه ملتقى بلاميعاد )§®¤
منتديات الأسهم السعودية                    
تاريخ التسجيل: Jan 2007
المشاركات: 22,562
الصورة الرمزية الـجوهره
الـلـه يـعـطـيـك الــعـــافــيـــه
بــــ الــلــه فــيــك ـــــارك
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
  #5  
قديم 09-02-2008, 02:25 PM
Banned
منتديات الأسهم السعودية                    
تاريخ التسجيل: Nov 2005
المشاركات: 7,992
الصورة الرمزية بست مان
الـلـه يـعـطـيـك الــعـــافــيـــه
بــــ الــلــه فــيــك ـــــارك
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
  #6  
قديم 09-02-2008, 02:34 PM
مشعل بن موسى متواجد حالياً
¤®(ميعاد محترف)®¤
منتديات الأسهم السعودية                    
تاريخ التسجيل: Sep 2007
الدولة: قــ أمي ـــلب
المشاركات: 7,959
الصورة الرمزية مشعل بن موسى
بارك الله فيك على المجهود الرائع
واااصل تميزكـ
"
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
  #7  
قديم 09-02-2008, 07:15 PM
Banned
منتديات الأسهم السعودية                    
تاريخ التسجيل: Apr 2006
المشاركات: 3,314
الصورة الرمزية إحساسـ..العالمـ
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الـجوهره مشاهدة المشاركة
الـلـه يـعـطـيـك الــعـــافــيـــه
بــــ الــلــه فــيــك ـــــارك

ويعافيك شرفني مرورك مشرفتنا الغالية


اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بست مان مشاهدة المشاركة
الـلـه يـعـطـيـك الــعـــافــيـــه
بــــ الــلــه فــيــك ـــــارك
اسعدني مرورك استاذي القدير

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Mashal مشاهدة المشاركة
بارك الله فيك على المجهود الرائع
واااصل تميزكـ
"
الاروع حضورك الذي عطر صفحاتي

دمت بود
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
  #8  
قديم 09-02-2008, 07:27 PM
ابو عبدالعزيز غير متواجد حالياً
¤®(المشرف المميز بقسم المتابعه اليوميه)®¤
منتديات الأسهم السعودية                    
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 20,332
الصورة الرمزية ابو عبدالعزيز

ماشاء الله عليك

وجزاك الله كل خير

مجهود تشكر عليه

يامشرفنااااااااالغاااااااااالي
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
  #9  
قديم 09-02-2008, 08:33 PM
amas1111 متواجد حالياً
¤®(المشرف لمنتديات بلاميعاد الاقتصادي)®¤
منتديات الأسهم السعودية                    
تاريخ التسجيل: Oct 2006
المشاركات: 42,714
الصورة الرمزية amas1111
ماشاء الله عليك

وجزاك الله كل خير

مجهود تشكر عليه

بارك الله فيـــك
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
  #10  
قديم 10-02-2008, 11:33 AM
Banned
منتديات الأسهم السعودية                    
تاريخ التسجيل: Apr 2006
المشاركات: 3,314
الصورة الرمزية إحساسـ..العالمـ
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ابو عبدالعزيز مشاهدة المشاركة

ماشاء الله عليك

وجزاك الله كل خير

مجهود تشكر عليه

يامشرفنااااااااالغاااااااااالي
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة amas1111 مشاهدة المشاركة
ماشاء الله عليك

وجزاك الله كل خير

مجهود تشكر عليه

بارك الله فيـــك


شرفني واسعدني مروركم الكريم

دمتم بود
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
موضوع مغلق